أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، إنَّ الله جلّ وعلا وصفَ عبادَه المؤمنين بصفاتٍ حميدة، بيّنها لنأخذَ بها ونطبِّقها لننالَ برحمةِ الله الثوابَ العظيم المترتِّب على ذلك العمل، قال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ
ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ
[المؤمنون:1، 2]، إلى أن قال:
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ
أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ
[المؤمنون:9-11].
أيّها المسلم، ابتَدأ الله صفاتِ المؤمنين بقوله:
ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ
، مدَح المؤمنين بأنهم خاشِعون في صلاتهم. ومعنى الخشوع السكينةُ في الصلاة، خشوعُ القلب وذلُّه لله. ذلكم الخشوعُ نتيجة استحضار قلب المسلم حينما يقِف بين يدَي الله، يستحضِر عظمةَ من يقف بين يدَيه وكبرياءَه وجلاله، وأنّه يقف بين يدَي ربِّه وخالقه ورازقه والمتصرِّف في أحواله كلِّها. إذًا فتصوُّر عظمةِ ذلك الموقِف يؤدِّي إلى خشوعِ القلب وإقباله على الله.
أيّها المسلم، الصلاةُ من أجلِّ الأعمال وأفضلِ الأعمال، هي الركنُ الثاني من أركانِ الإسلام، هي عمودُ الإسلام. هذه الصلوات الخمس المحافظةُ عليها والعنايةُ بها سببٌ لزكاءِ القلب وطهارةِ النفس وتهذيب الأخلاق والسلوك، ولكن لا يتحقَّق ذلك إلاَّ إذا خشَعتَ في صلاتك وأقبلتَ عليها بقلبِك وفرَّغتَ قلبك من كلّ شُغل أثناء الأداء إلاَّ بهذه الصلاة، بقراءَتها وأذكارِ ركوعها وسجودِها وجلوسها، وتأمَّلتَ ذلك حقَّ التأمّل، فإنك بذلك تخشع في صلاتك.
أيّها المسلم، مقامُ الخشوعِ القلب، فالقلبُ ملِك الأعضاء، في الحديث: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً؛ إذا صلح لها صلح الجسد كلّه، وإذا فسدَت فسد لها الجسد كلّه، ألا وهي القلب)). فمقام الخشوع في قلبِ العبد، فإذا خشَع قلبه خشعت جوارحُه، إذا خشَع قلبه خشعَت لله جوارحه، فترى ذلك المصليَ مقبلاً على صلاته، قليلَ العبَث والحركة، مقبِلاً بقلبه على صلاته، متدبِّرًا لقراءتها والأذكار المشروعةِ في كلّ ركن من أركانها، فيخرُج منها وقد زَكت نفسُه وصلح قلبه واستقام حالُه وتأثَّر بأداء تلك الفريضة التأثرَ المطلوب شرعًا،
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
[العنكبوت:45].
أيّها المسلم، إنَّ الصلاة شاقّةٌ على الكثير إلاَّ على الخاشعين، فالخاشعون يؤدّون هذه الصلاةَ عن رغبةٍ وحبٍّ وشوق إليها، قال تعالى:
وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ
[البقرة:45]. إذًا فالخاشِعون فيها أداؤ،ها يسير عليهم وفعلُها غير شاقّ عليهم، بل يجدون في أدائها راحةَ القلب وطمأنينةَ النفس وانشراحَ الصدر، فهي قرّة أعينِ أهل الإيمان وراحتُهم ولذّة نفوسِهم،
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ
[البقرة:45، 46]، فليقينِهم بملاقاة الله وأنّ مردَّهم إلى الله سهُلت تلك الصلاة عليهم، فأقبلوا عليها بقلوبهم مطمئنِّين خاشعين ذليلين مستكينين لرب العالمين.
أيّها المسلم، إنَّ للخشوعِ في الصلاة أسبابًا، بيَّن ذلك النبيّ
.
فأولاً: يقول
: ((أمِرت أن أسجدَ على سبعةِ أعظُم، وأن لا أكفَّ شعرًا ولا ثوبًا)). إذًا فالعبَث بالثياب والشعر ونحو ذلك مما يضعِف خشوعَ القلب في الصلاة، فمن كان في صلاتِه يعبِث بملابسِه بشَعره ونحو ذلك فذاك مما يسبِّب عدمَ خشوع قلبه.
ومن الأسباب أيضًا عدمُ رفعِ البصر هنا وهناك، فالنبيّ
يقول: ((لينتهينَّ أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهم إلى السماء))، فاشتد قوله حتى قال: ((أو لا ترجع إليهم)).
ومن أسباب ذلك البعدُ عن نظرِ كلِّ شيء يمكن أن يشغلَ القلبَ ويلهيَه، جاء في الحديث أنّ عائشة رضي الله عنهما سترت بيتَها بسِتارة فيها تصاوير، فقال لها النبي
: ((أزيلي عنّا قرامَك هذا؛ فإنّ تصاويرَه لا تزال تعرِض لي في صلاتي)). فابتعَدَ عن كلِّ مظهر ورؤيةِ كلّ شيء يمكِن أن يشغل قلبَه.
صلّى
في خميصةٍ لها أعلام، فنظر إلى أعلامِها، فلما انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهمٍ، وأتوني بأنبجانيّة أبي جَهم، فإنّ أعلامَها أشغلتني عن صلاتي)). فصلوات الله وسلامه عليه، ما أشدَّ خوفَه من الله وبعدَه عن كلّ شيء يشغِله عن خضوع قلبه في صلاته.
ومن الأسباب أيضا ما جاء في الحديث أنّه
قال: ((لا صلاةَ بحضرةِ طعام، ولا وهو يدافِعه الأخبثان))، فأخبرَ
أنّ المسلمَ لا يدخُل في الصلاة وعنده توَقانٌ للطعام لشدة جوعه وحِرصه، حتى يدخلَ الصلاةَ وهو حاضرُ القلب لا يتعلَّق قلبه بذلك. وكذلك من حُصِر ببولٍ أو غائط، فلا بدّ من استفراغِ ذلك حتى لا يكون ذلك مشغِلاً له عن حضورِ الصلاة، وقال: ((إذا حضَر المغرب والعَشاء فابدؤوا بالعشاء قبلَ المغرِب)).
أيّها المسلم، ومن الأسبابِ أيضًا البعدُ عن العبَث بالأشياء، فالنبيّ
نهى المسلمَ عن مسِّ الحصَى وهو يصلّي، وقال: ((إن كان لا بدّ فواحدة))، حتى تسلَم له صلاته.
أيّها المسلم، أوصيك بالخشوعِ في صلاتك، أقبل عليها بقلبك، واتّق الله فيها، واعلم أنه لن تستفيدَ من صلاتك إلاَّ على قدرِ خشوعك فيها، جاء في الحديث عنه
قال: ((إنّ العبدَ ليصلّي الصلاةَ ما يكتَب له إلاَّ نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربعُها، إلا سدسُها))، حتى قال: ((إلا عشرها))، بمعنى أنَّ هذه الصلاةَ لا تنال منها إلا على قدرِ حضور قلبِك وإقبالِك عليها. قال بعض السلف: يقِف الناسُ في الصفِّ وما بين هذا وهذا ما بين السماء والأرض. أحدٌ قلبه معلَّق بالخير، دائرٌ حولَ الخير والهدى، وإنسانٌ واقف بجسده وقلبُه يجول في الدنيا هنا وهناك.
أيّها المسلم، كلما عظُمت الصلاة في نفسِك وكلّما كانت غاليةً عندك عزيزةً عليك كلّما ازددتَ خشوعًا وإقبالاً على القلبِ فيها وعدمِ الحركة والعبث فيها. أقبل عليها، أدِّها مطمئنًّا فيها، خاشعًا في قيامها وركوعِها وسجودِها لاستحضارِك عظمةَ مَن تقف بين يديه، فيكون المسلم محبًّا لهذه الصلاة راغبًا فيها متعلِّقًا قلبُه بها.
أيّها المسلم، يقول
: ((ما مِن مسلم تحضرُه صلاة مكتوبةٌ فيحسِن وضوءَها وركوعَها وخشوعَها إلاَّ كفَّرت ما بينه وبين الصلاة الأخرى ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهرَ كله)).
أيّها المسلم، فإذا كان الخشوع في الصلاة سببًا لأن تكفِّر عنك ما بين الصلاة والصلاة الأخرى من صغائرِ الذنوب فاحرص على هذا الخشوع، وأقبِل على صلاتك، ولا تكن فيها من العابثين المتساهلين.
كم يصلّي الفردُ منا وللأسف الشديد لو تسأله: ماذا قرأ الإمام؟ لم يعطك جواب، وكم صلى الإمام؟ لم يعطك جواب. لماذا؟ وقف في الصفّ بجسده، ولكنَّ القلبَ غائب.
رأى عمر رضي الله عنه رجلاً يعبث في صلاتِه فقال: (لو خشَع قلبُ هذا لخشعَت جوارحه). فالقلبُ لو خشع لكانت الجوارحُ خاشعة، لكن لما كان القلبُ غافلاً وغائبًا كان أثرُ ذلك على جوارحِ ذلك المصلّي. فاعلم أنّ خشوعَ القلب بقلّة العبث، واعلم أن كثرةَ العبَث دليلٌ على قلّة الخشوع وضّعف الخشوع.
فيا أخواني، احرِصوا على صلاتكم، واحفَظوها تبقَ لكم، وأدّوها كما أمِرتم، لتكونَ عونًا لكم على كلّ خير، ومسهِّلةً لكم القيامَ بالواجب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.